محمد بن جرير الطبري

514

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن ظن ذو غباء ( 1 ) أنَّا إذْ كنا قد نسمِّي وقت مجيء الطهر " قُرءًا " ، ووقت مجيء الحيض " قرءًا " ، أنه يلزمنا أن نجعل عدة المرأة منقضية بانقضاء الطهر الثاني ، إذ كان الطهرُ الذي طلقها فيه ، والحيضة التي بعده ، والطهر الذي يتلوها ، " أقراءً " كلها ( 2 ) فقد ظن جهلا . وذلك أن الحكم عندنا - في كل ما أنزله الله في كتابه - على ما احتمله ظاهرُ التنزيل ، ما لم يبيّن الله تعالى ذكره لعباده ، أنّ مراده منه الخصوص ، إما بتنزيل في كتابه ، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا خصّ منه البعض ، كان الذي خصَّ من ذلك غيرَ داخل في الجملة التي أوجب الحكم بها ، وكان سائرها على عمومها ، كما قد بيَّنا في كتابنا : ( كتاب لطيف القول من البيان عن أصول الأحكام ) وغيره من كتبنا . ف‍ " الأقراء " التي هي أقراءُ الحيض بين طُهريْ أقراء الطهر ، غير محتسبة من أقراء المتربِّصة بنفسها بعد الطلاق ، لإجماع الجميع من أهل الإسلام : أن " الأقراء " التي أوجبَ الله عليها تربَّصُهن ، ثلاثة قروء ، بين كل قرء منهن أوقات مخالفاتُ المعنى لأقرائها التي تربَّصُهن ، وإذْ كن مستحقات عندنا اسم " أقراء " ، فإن ذلك من إجماع الجميع لم يُجِزْ لها التربّص إلا على ما وصفنا قبل . * * * قال أبو جعفر : وفي هذه الآية دليل واضح على خطأ قول من قال : " إن امرأة المُولي التي آلى منها ، تحل للأزواج بانقضاء الأشهر الأربعة ، إذا كانت قد حاضت ثلاث حيضٍ في الأشهر الأربعة " . لأن الله تعالى ذكره إنما أوجبَ عليها العدّة بعد عزم المُولي على طلاقها ، وإيقاع الطلاق بها بقوله : " وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم والمطلقات يتربَّصن بأنفسهن ثلاثة قروء " ، فأوجب تعالى

--> ( 1 ) في المطبوعة : " ذو غباوة " وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) يعني : أن طهر التطليق قرء ، والحيضة قرء ، والطهر الثاني قرء ، فهي ثلاثة قروء تتربصها المطلقة .